اسماعيل بن محمد القونوي

475

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

وتوضيحه أنه يريد إن صلى مأخوذ من الصلاء بمعنى حرك الصلوين وهما العظمان النابتان في أعلى الفخذين يقال ضرب الفرس صلويه بذنبه أي ما في يمينه وشماله ثم استعمل صلى بمعنى فعل الهيئات المخصوصة مجازا لغويا ( لأن المصلي يفعله ) يحرك صلويه ( في ركوعه وسجوده ) ولما اشتهر هذا المعنى استعير منه معنى دعا تشبيها للداعي بالمصلي في خضوعه وتخشعه وفيه ضعف من وجهين الأول أن الاشتقاق مما ليس بحدث قليل الثاني أن الصلاة بمعنى الدعاء شائعة في إشعار العرب ولم يرو عنهم إطلاقها على ذات الأركان بل ما كانوا يعرفونها فأنى يتصور لهم التجوز فالصواب ما ذهب إليه الجمهور من أن لفظ الصلاة حقيقة في الدعاء ومجاز لغوي في الهيئات المخصوصة المشتملة عليها كما حقق في أصول الفقه كذا نقل عن الفاضلين في شرحهما ويرد عليه أنه إن أريد بأن الاشتقاق مما ليس بحدث قليل أنه قليل بالنسبة إلى الاشتقاق من الحدث فلا يضر وإن أريد أنه قليل في نفسه خارج عن الفصاحة فغير مسلم وقد بين العلامة فيما سيأتي وقوعه في مواضع كثيرة كاستحجر واستنوق وإبل إذا أحسن رعي إبله وأترب الكتاب إذا ألفي عليه التراب وزفت الأنام وغير ذلك مما سيجيء من الشيخين من التصريح به في محله وصاحب الكشاف من أرباب اللغة وله كتاب في اللغة يعتني به الفحول ويتلقونه بالقبول وقد صرح به المحققون من أرباب العربية كأبي علي الفارسي حيث قال الصلاة من الصلوين لأن أول ما يشاهد من أحوال الصلاة تحريك الصلوين للركوع وأما القيام فلا يختص بها قال ابن جني وهو حسن وكذا في الروض الصلاة أصلها انحناء وانعطاف من الصلوين وهما عرقان في الظهر إلى الفخذين ثم قالوا أصلي عليه أي أنحني عليه رحمة وفيه مخالفة في تفسير الصلوين لما مر من تفسيرهما وهذا قول آخر وقيل في الفخذين وقيل عظمان نابتان في جانبي الذنب ثم قوله ولم يرو عنهم إطلاقها على ذات الأركان بل ما كانوا يعرفونها أعجب من ذلك إذ عدم الرواية إنما يعرف بالاستقراء التام وهو متعسر بل متعذر والاستقراء الناقص غير مفيد على أن تصريح هؤلاء الثقات كاف في الرواية ولولاه لارتفع الإمام في التحرير والبيان فالمناسب لشراح الكشاف أن يقولوا ولم تعرف الرواية عنهم الخ والقول بأنهم ما كانوا يعرفونها في غاية من الغرابة فإن الصلاة الشرعية عبادة قديمة شرعت في كل شريعة وإن تفاوتت وقتا وكمية وكيفية كما ذكرت في مواضع من النظم الجليل والقول بأن أهل الجاهلية برمتهم غافلون عنها بعيد عن السداد ومناف للرشاد واللّه رؤوف بالعباد « 1 » غاية الأمر أن ما اختاره المص مذهب الجمهور وفيما بين العلماء هو المشهور ومن هذا مرضه ولم يرض به .

--> ( 1 ) قال ابن فارس في كتاب فقه اللغة كانت العرب في جاهليتها على ارث من ارث ابائهم في لغاتهم فلما جاء اللّه تعالى بالإسلام حالت أحوال ونقلت ألفاظ من مواضع إلى مواضع أخر بزيادات ومما جاء في الشرع الصلاة وأصله في لغتهم الدعاء وقد كانوا عرفوا الركوع والسجود وإن لم يكن على هذه الهيئات فقالوا وردة صدفية غواصها بنهج متى يرها يهل ويسجد وقال الأعشى يراوح من الصلاة المليك طورا سجودا وطورا جوارا وهذا وإن كان كذا لكن العرب لم تعرفه بمثل ما أتت به الشريعة من الأعداد والمواقيت والتحريم للصلاة والتحليل منها وكذلك الصيام والحج والزكاة انتهى كذا قيل . ( شهاب ) .